إغلاق مجلة "إيما" النسوية في ألمانيا بعد 50 عاما من صدورها
21.10.2026, 11:15
كولونيا 21 أكتوبر/تشرين الأول (د ب أ) - أعلنت الصحفية والناشطة النسوية الألمانية أليس شفارتسر /83 عاما/ إنهاء إصدار مجلة "إيما" النسوية التي أسستها، وذلك بعد 50 عاما على صدورها.
وأبلغت شفارتسر وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) في كولونيا أن عدد المجلة الصادر في 8 ديسمبر/كانون الأول سيكون الأخير، موضحة أن الأسباب الاقتصادية لم تكن العامل الحاسم في هذا القرار.
وقالت شفارتسر في بيان: "من المؤكد أن عدد النسخ التي نبيعها يتراجع أيضا، لكن إيراداتنا لا تزال تغطي نفقاتنا". وأضافت: "لا، نحن نرحل لأننا نرى أن الأمر قد بلغ حدّه!".
وأشارت شفارتسر إلى أن مجلة "إيما" صمدت على مدى ثلاثة أجيال، واتخذت مواقف "ضد كثير من الأفكار العبثية باسم النسوية"، وأضافت: "لذا اسمحوا لنا بالقول: لقد أنهكنا التعب الآن".
وتُعد شفارتسر أشهر ناشطة نسوية في ألمانيا. وصدر العدد الأول من مجلة "إيما" في 26 يناير/كانون الثاني 1977. وتوضح شفارتسر اليوم دوافعها آنذاك قائلة: "كان العداء للنساء فيما أسميناه نحن النسويات وسائل الإعلام الرجالية هو ما دفعني إلى استنتاج أنه ينبغي لنا - نحن الصحفيات - أن تكون لدينا مجلة خاصة بنا وصوت مستقل".
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، دعت شفارتسر مرارا - وأحيانا بالاشتراك مع السياسة الشعبوية سارا فاجنكنيشت - إلى إجراء مفاوضات سلام سريعة مع روسيا. ويتهمها منتقدون بأنها تغفل في مواقفها عن تحديد الطرف المعتدي في هذه الحرب والطرف الذي تعرض للهجوم.
وفي عام 2024 أقرت شفارتسر بأن موقفها من الحرب في أوكرانيا أثر أيضا على عدد مشتركات مجلة "إيما"، وقالت إن موقف المجلة الداعي إلى السلام حظي بتأييد واسع من القارئات في عام 2023، لكنها أضافت: "لكن واحدة من بين كل خمس قارئات أنهت اشتراكها احتجاجا. وكان الهدف أن يؤلمنا ذلك، وهو يؤلمنا بالفعل. لماذا تفعل القارئات ذلك مع مجلة تعتمد على الاشتراكات؟"، مؤكدة آنذاك أنها لن تسمح لهذا الأمر بترهيبها.
كما واجهت شفارتسر احتجاجات بسبب مواقفها من الأشخاص المتحولين جنسيا. ففي عام 2023 طالب 33 كاتبا وفنانا بإلغاء فعالية كان من المقرر أن تشارك فيها شفارتسر ضمن مهرجان الخريف الأدبي في لايبتسيج، بسبب ما قالوا إنه تكرار لصدور "تصريحات ومنشورات معادية للمتحولين جنسيا وعنصرية وأخرى كارهة للنساء" عنها.
وأثار ذلك غضب شفارتسر، التي أكدت لوكالة الأنباء الألمانية أنها لم تهاجم المتحولين جنسيا قط، وقالت: "لكن ما أنتقده هو الأيديولوجيا الجديدة المتعلقة بالتحول الجنسي، التي تطالب بإتاحة الحق في تغيير الجنس المسجل في الوثائق الرسمية ابتداء من سن 14 عاما، وإجراء علاجات هرمونية وعمليات جراحية خطيرة على أي شخص"، مضيفة أنه يجب أن يكون من الممكن التعبير عن هذا الرأي من دون الإقصاء مباشرة من النقاش العام.
وتكررت التساؤلات من حين إلى آخر بشأن ضرورة تسليم شفارتسر إدارة مجلة "إيما"، التي تصدر كل شهرين، إلى جيل أصغر سنا. وفي عام 2008، تولت الصحفية ليزا أورتجيز بالفعل منصب رئيسة التحرير، لكن سرعان ما نشب خلاف بينها وبين شفارتسر، فعادت الأخيرة إلى إدارة المجلة بنفسها.
وفي العدد قبل الأخير من "إيما"، المقرر صدوره في 27 أكتوبر/تشرين الأول، تؤكد شفارتسر أنها حاولت على مر السنين العثور على "زميلات أخريات يشاركننا نهجنا"، كما بحثت مرارا عن رئيسة تحرير محتملة، موضحة أن هناك صحفيات كن مناسبات لهذا المنصب، لكنهن فضلن العمل في وسائل إعلام أخرى، حيث تكون الضغوط والانتقادات الخارجية أقل حدة.
وفي البداية، كان مقر تحرير "إيما" في ساحة كولبينج بلاتس، وسط مدينة كولونيا مباشرة. وكان فريق التحرير يخرج كل عام بكامل أفراده للاحتفال بالكرنفال في ساحة ألتر ماركت يوم الخميس السابق لاثنين الورود، وهو أحد أيام احتفالات الكرنفال في ألمانيا. وانتقل مقر التحرير لاحقا إلى برج باينت، الذي يعود إلى العصور الوسطى، في منطقة ميناء الراين بكولونيا.
وهناك عملت شفارتسر تحت صورة للفيلسوفة الفرنسية والمدافعة عن حقوق المرأة سيمون دو بوفوار، التي فتحت لها الطريق في ستينيات القرن الماضي.
وترى شفارتسر أن كثيرا من الناس لم يعودوا يعرفون اليوم ما عانته النساء في تلك الفترة وما ناضلن من أجله بشق الأنفس حتى انتزعن حقوقهن. لكنها ترى، في المقابل، أن الناس نسوا أيضا مدى الحرية التي تمتعت بها النساء آنذاك، وقالت: "كانت تلك سنوات الانطلاق والاندفاع والمرح! لم نكن نناضل فحسب، بل كنا نحتفل ونرقص أيضا. ولم تكن القيود المفروضة علينا كثيرة. لم يكن لدينا إنستجرام، ولم نكن نحقن وجوهنا بالبوتوكس. وغالبا ما يكون من الصعب إيصال هذه الفكرة إلى الآخرين".
وفي عام 2017، أبدت شفارتسر تفاؤلا بشأن مستقبل مجلة "إيما" بمناسبة مرور 40 عاما على تأسيسها. وقالت لوكالة الأنباء الألمانية آنذاك إن الاهتمام بالقضايا النسوية أصبح أكبر مما كان عليه قبل عشر سنوات، وأضافت: "كان الناس يعتقدون في التسعينيات أننا حققنا كل شيء بالفعل. والآن نرى أن الأمر لا يسير بهذه السرعة".
وتؤكد شفارتسر الآن أن مجلة "إيما" أسهمت في تغيير ألمانيا إلى حد ما على مدى نصف قرن. ومن بين القضايا العديدة التي تناولتها المجلة لفترة طويلة "بشكل شبه منفرد"، الاعتداء الجنسي على الأطفال والإسلاموية. وبدأت المجلة تناول هاتين القضيتين في عامي 1978 و1979 على التوالي، قبل وسائل الإعلام الأخرى بوقت طويل.
وقالت شفارتسر: "لم تنتبه وسائل الإعلام إلى العديد من القضايا الأخرى، مثل نظام تقسيم الدخل بين الزوجين لأغراض الضرائب، وسرطان الثدي، وتشويه الأعضاء التناسلية، إلا بعد أن نشرت مجلة "إيما" مواد عنها".
وبحسب شفارتسر، فإن "إيما" كانت "آخر مجلة مهنية جماهيرية في العالم، تُباع في الأكشاك وتتولى نسويات إدارتها"، مضيفة في المقابل أن ما يخفف من وطأة هذا القرار هو انتقال أرشيف المجلة بالكامل، بما يضمّه من صناديق وملفات ومراسلات وحملات، إلى مركز أرشيف الأدب الألماني في مارباخ، حيث سيُتاح للمهتمين الاطلاع عليه بعد تنظيمه وفهرسته. وبذلك، ستمضي "إيما" في نهاية المطاف "إلى الأبدية"، على حد تعبير شفارتسر.